السيد محمد تقي المدرسي

20

من هدى القرآن

ومجبورا من قبل السلطات أو القوى الاجتماعية . ومن أبرز أدلة المسؤولية في الدنيا وجود الجزاء ، وهكذا لو كنا في مجتمع يحكمه الظالم ثم سكتنا عنه فشملنا الذل والبلاء ، فإن ذلك دليل مسؤوليتنا عن الوضع ، حتى لو بررنا بثقافة الجبر أو فلسفة الانتظار . ولكي يعمق القرآن شعورنا بالمسؤولية ، ولا يدع التبريرات تحجبنا عن هذا الأمر الخطير ، والأساسي في حياة البشر ، يصور لنا مشاهد من يوم القيامة ، ويثير فيها جانبا من التبريرات ، التي يتشبث بها الظالمون آنذاك ، مع ردها ردا قاطعا ، وكل ذلك في صورة حوار بينهم وبين الله والملائكة ، وإنما يرينا السياق هذه المشاهد من الآخرة لكي تنعكس على حياتنا الدنيوية في صورة إحساس نفسي وعملي عميق بالمسؤولية . بينات من الآيات : [ 19 ] فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ الزجرة تعبير آخر عن النفخة ، وهي صوت يصدره أحد الملائكة بإذن الله فيميت الناس أو يبعثهم للحياة ، كيفما أراد تعالى ، وقد يفهم من ذلك أن انبعاث الحياة في الأرواح والعظام الميتة بحاجة إلى تفاعلات سريعة جدا ، وهذا ما توفره الزجرة ، التي تبعث الناس أحياءً وفي كامل وعيهم للحساب ، وإذا كان الإنسان في الدنيا يخلق جاهلا ثم يتدرج في المعرفة ليصل إلى حد من الكمال ، فإنه يوم البعث وبعد الزجرة ينهض بقوة كاملة ، ووعي تام . [ 20 ] وأول نظرة يلقيها الظالمون إلى ما حولهم ، تكفيهم علما بمصيرهم ، حيث الويل والثبور ، وقد كانوا محجوبين عن هذه الحقيقة في الدنيا ، بسبب ذنوبهم وتكذيبهم بالرسالة الإلهية . ومن طبيعة البشر أنه لا يعترف بوقوعه في الخطأ والهلكة إلا قليلا ، وفي اللحظات التي ييأس ويفقد فيها أدنى أمل بإمكانية التبرير . فالظالمون إذن يحاولون أن لا يعترفوا بخطئهم أو ضعفهم ، وهلكتهم في الدنيا . ولكنهم يومئذ لا يملكون سوى الاعتراف ، ونبذ التبريرات التي تشبثوا بها في الدنيا للفرار من المسؤولية . وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ الدين هو مجموع الفروض والواجبات التي فرضها الله على الناس ، كإقامة الصلاة والعدل و . . و . . وبالتالي فإن الدين هو المسؤولية ، وقد تهرب هؤلاء منها ولم يتحملوها ، لكنهم وجدوها يوم البعث هي الحاكمة ، فعلموا بأنهم هالكون وخاسرون ، معنى الدين هنا خصوص الجزاء بقرينة الإضافة لليوم وقرينة مقام المقال .